.comment-link {margin-left:.6em;}

Saturday, September 02, 2006

الليبراليون والخلاص

إذا كان المثقفين اليساريين يحبّون أن يصوّروا أنفسهم هذه الأيام على أنهم شهداء القضية العربية الأحياء وآخر حاملي رايات قيم العدالة الإجتماعية والأصالة الثقافية الحقيقية، بصرف النظر عن تعريفهم للحقيقة والأصالة هنا، وإذا تسنّى لموقفهم هذا أن يحظى يوماً بتعاطف شعبي، وإن بقي هذا الأمر مستبعداً، فإن المثقفين الليبراليين الحقيقيين، أي المثقفين الذين هم أكثر علمانية حتى مما يمكن للأذواق الاشتراكية أو الشيوعية أن تتقبله (إذ يؤمن الليبراليون بفصل العقيدة مهما كانت عن الدولة)، وأكثر اهتماماً بحقوق الفرد مما يمكن للأديان التقليدية أن تعطيه، وذلك مهما تمّ تحديثها وتعديلها، فإن هؤلاء الليبراليين يمثلون فزاعات وغيلان العالم المعاصر الذين سيبقون رهن الاحتقار في المنطقة ولفترة طويلة قادمة وذلك حتى، بل خاصة، في حال، أثبت الزمن أنهم كانوا على حقّ.

فقد أصبح المثقفون الليبراليون منقطعين تماماً عن جذورهم الثقافية المزعومة بحيث صار من الصعب فهمهم واستيعابهم من قبل أغلبية الناس، وفي الحقيقة يبدو أن الناس تجد صعوبة في تصديق وتقبّل تعلّق الليبراليين المستمر بالعروبة، نظراً لعدم تبنّيهم لذلك المزيج الغريب المؤلّف من منطق الغرور الحضاري ومنطق وعقلية الضحية الذي أصبح منذ زمن أحد العلامات المميّزة للهوية العربية المعاصرة. لقد أصبحت العروبة بالنسبة لمعظم الناس، مثقفين وعوام، بمثابة دين جديد محدّد، له قيمه الثابتة وأخلاقياته بل وتعاليمه السرّانية الخاصة والتي لايمكن تعليمها إلا للمنخرطين في الطريقة، وذلك وفق آلية قديمة مستحدثة من الخطاب التوجيهي الذي لا يترك مجالاً حقيقياً للمناقشة الحرّة والتأمل ونقد الذات. وحده الوهم الذي يصوّر لصاحبه أن خياراته جاءت نتيجة تحليل موضوعي وعقلاني هو الذي يبقى.

لكن ما يجعل الليبرالي ليبرالياً هو توصّله في مرحلة ما من عمره إلى قناعات جديدة غير قابلة للتعايش مع وهم من هذا النوع. لذا، يبدو الليبراليون غير قادرين البتة على الانسجام مع الرؤى والمخطّطات الوطنية لكل من حولهم من يساريين، وإسلاميين، وعروبين، وأنظمة حاكمة، وقوى فاعلة في العالم، وتلك التي لا يمكن لها أن تصبح فاعلة مهما رغبت وحاولت.

في حين يبدو واضحاً أن رؤيتهم الخاصة للمنطقة، وهي، خلافاً للانطباع السائد عنها لا تدعو إلى مجرّد نسخ وتقليد الحضارة الغربية في ربوعنا، هي أكثر غرائبية من أن تتحقّق في حياتهم. وفي الواقع، يبدو أن استيراد أو تصدير الحداثة بشكلها الغربي المجيد أمر قد تم بالفعل، وما يبقى اليوم هو مجرّد عملية هضم لها. ونظراً لنوعية المنتج الذي يتم هضمه، ولحالة الجهاز الهضمي عندنا في هذه المرحلة يبدو من الواضح أن هذه العملية ستكون طويلة ومؤلمة.

لذا، ربما كان أفضل إنجاز ممكن لليبراليين في هذه المرحلة هو أن يصرّوا على أن يكونوا مصدر النشاز الوحيد في جوقة الأوهام السائدة، فقد يتمخّض إصرارهم هذا مع الأيام عن ولادة جديدة لعالم جديد نحن بأمس الحاجة إليه، وبالتالي قد يتحقّق خلاص المنطقة على أيديهم هم، مهما بدا هذا الأمر بعيد المنال اليوم. إن كل ليبرالية الدنيا لا يمكن لها أن تخلّصنا من حاجتنا إلى الخلاص ومن عقدته المتوغّلة في نفوسنا، وربما كان هذا هو مصدر اصرار الليبرالين على الارتباط بالمنطقة وبالعروبة في وجه كل التغرّب الذي يشعرون به وكل الرفض الذي يواجهونه.

6 Comments:

Blogger A Syrian In The Far East said...

على إعتبار أنك تتطرق إلى موضوع الليبراليين و قدرتهم – أو عدمها – على التغيير في الأربع مقالات الأخيرة في مدونتك الإنكليزية فهذه مجرد دردشة من قبلي لما أعتقد به بخصوص هذا الموضوع.ـ
مشكلة الليبراليين الأكبر هي أنهم أقل واقعية من غيرهم من الناشطين كالمتطرفين و المحافظين و اليساريين. وعندما أقول أقل واقعية فلا أعني أفكارهم و إنما طريقة عرض هذه الأفكار و طريقة إيصالها إلى جموع الناس.ـ
في معرض حديثك عن إحتمال أن يكون الليبراليون السوريون هم المسيح المنتظر لخلاص سوريا, قد نتناسى أن هناك في تاريخ البشرية العديد من أمثال "عيسى" و "محمد" و "لينين" و "غاندي" و غيرهم من مسيح مبشر بنظم و أفكار جديدة. ولكن الذين نعلمهم هم هؤلاء الذين "نجحوا" في مسعاهم هذا و غاب الكثيرون الذين لم يحققوا نجاحاً في ظلام التجاهل أو النسيان.ـ
فـ"المسيح الجيد", و أعني بـ"جيد" هو مقدار نجاحه في إكتساب الأتباع, لا تحدده أفكاره الأساسية بقدر ما تحدده إمكانيته على توصيل هذه الأفكار عن طريق عكسها على مجموعة موازية من الأفكار و الممارسات و التي هي أكثر عملية و أكثر قابلية للتمسك بها كإيمانٍ لدى الآخرين. فعلى إعتبار أن هؤلاء "الآخرين" لديهم الكثير من الهموم و المشاكل و الإهتمامات, بالإضافة إلى الفارق الثقافي و الآفاقي بينهم و بين "الشخوص المسيح", فإنهم في النهاية لن تجذبهم صلب أفكار المسيح بقدر إنجذابهم إلى غاية هذه الأفكار و ما قد ينتج عنها, في حدود إدراكهم, من مؤثرات على حياتهم اليومية.ـ
و الناشطون الآخرون, وعلى تعقيد أفكارهم و مبادئهم (ولتكن دينية أو محافظة أو يسارية, إلخ), فهم يطرحون هذه الأفكار بشكل مبسط في قاعدة السلسلة الهرمية حيث تأخذ دوماً شكلاً أكثر "مادية" من أفكار الليبراليين.ـ
عندما طرحتُ مجموعة الأسئلة على موقع سيرياكومنت بخصوص تفاصيل وقع عملية تغيير السلطة على طائفة معينة في الجسم السوري, فأنا لم أكن أبحث عن ضمانات أو مجرد إستثارة إقتراحات لحلول يستطيع أياً كان التوصل لها بمفرده/ها. كان الهدف الأساسي هو تنبيه من يقرأ أن الإمعان في العموميات و الأفكار الكليّة (كالحديث عن مبدأ "المواطنة") لن يخرج عن إطار المفكرين أو المثقفين الذين يفهمون هذه المبادئ و لن تستطيع هذه الأفكار أن تصبح معتقداً لدى عامة الناس بشكل يجعل حاملي لواء هذه الأفكار "مسيحاً مخلِصاً". و كنت أريد أن استشرف مقدار وعي القراء, الذين غالباً ما يتوجهون إلى طرح أفكار عامة, بأهمية موضوع تحويل "الأفكار العالية" إلى مجموعة من الإجراءات التي يمكن من خلالها إقناع عامة الشعب بها. و هذا لا يقف عند الموضوع الذي أثرته بل يتعداه إلى أغلب المبادئ الهامة التي تثار من قبل المفكرين السوريين. فأجوبة هذه الأسئلة التفصيلية هي بالضبط ما يفهمه سائق تكسي بشهادة إبتدائية عن موضوع المواطنة و غيره.ـ
فعلى سبيل المثال, هناك من الناس ممن إيمانهم بالله ينبع من فهم و محاكمة عقلانية و قرار (وهو الأهم) بتبني هذا الإيمان, سواء كان هذا القرار يقوم على محاكمة منطقية لمبدأ الخلق أو موازنة عقلانية لظروف الحياة و الحاجة إلى الإنتماء إلخ. ولكن يجب أن نعترف أنه بخلاف الأشخاص المعدودين الذين يتبعون المحاكمة أعلاه, فإنه بالنسبة للأغلبية الساحقة فهذا الإيمان هو بالنهاية مجموعة من الإجراءات أسهل فهماً و أقل تعقيداً و أكثر ملائمة للحياة اليومية. أن تؤمن (بفكرة, أية فكرة: دين أو إيديولوجيا) هو في النهاية أن تذهب إلى الكنيسة, أو تصوم رمضان, أو أن تتبنى موقفاً معارضاً لرب العمل على الدوام و أن تقوم بهذا و ذاك.ـ
وأظن أن هذا ما ينقص الحركة الليبرالية ليكون "الخلاص" على يديها: أن تتحول من مبادئ إلى إجراءات مبسطة يمكن "تبشيرها" بين الناس. أي بمعنى آخر أن تكسر واحدة من أهم قواعدها: اللا هرمية. فمفخرة الليبرالية أنه لا هرمية فيها و كل ليبرالي هو "مفكر", لا بل لا أبالغ إذا ما قلت, و قد أشرت إلى هذا أنت أيضاً في مقالك, أن الليبرالية في العديد من بلدان العالم (الولايات المتحدة كمثال) تتحول إلى حركة نخبوية و سوف أسمِّها هنا "كليكية" (بالاستعارة من الكلمة الإنكليزية). و حتى عندما تكون الليبرالية متبناة من قبل شعب بأكمله (فلنقل السويد مثلاً), يمارس هذا الشعب الكليكية بنظرته إلى باقي الشعوب بدون شك.ـ
المشكلة أننا في سوريا نحتاج زمناً طويلاً جداً حتى يصبح عدد الليبراليين في هذا "الكليك" كافٍ لملء مختلف الوظائف الإدارية و القيادية كما هو حال كندا أو اليابان مثلاً, بغض النظر عن مقدار عدم إنتشار الليبرالية بين أبناء الشعب عامة.ـ
وبالتالي فهناك حاجة, و نحن نتحدث عن سوريا, لخلق هرمية في هذه الليبرالية, حيث تُحوَّل الأفكار في كل طبقة من هذا الهرم إلى الشكل و الممارسات الأنسب لمن هو في هذه الطبقة.ـ
فقبول التحدي بإقناع الناس بفكرة المواطنة كما تفهمه أنت مثلاً قد يؤدي أنه سوف تجد نفسك قد أقنعت بضع عشرات من الناس فقط, بينما في أثناء الوقت المصروف على هذا العمل, كان عشرات الآلاف من الناس قد تبنّوا أفكاراً أسهل إنتشاراً لتقاربها من مفاهيم حياتهم اليومية كما ذكرتُ أعلاه.ـ
و خاصة أن أغلب من يتكلمون عن مبدأ المواطنة مثلاً, من ضمنهم أنت أيضاً, يتكلمون عن حالة إفتراضية بوجود حكم جيد يقوم بترسيخ مبادئ المواطنة عن طريق إجراءات دستورية و إدارية يستطيع فرضها بقوة الدولة و أجهزتها القضائية على عموم الناس. أي أنهم يفترضون أن الحكم سيتغير أولاً, و من ثمّ سيقوم الحكم الجديد المفترض بترسيخ مبادئ المواطنة.ـ
و لكن التحدي الحقيقي هو أن نسأل كيف يمكننا أن نخلق هذا الحس المواطني بمعزل عن وضع النظام. و هذا التحدي هو الأكثر واقعية و عمليةً حيث أن إفتراض نهاية قريبة للحكم الحالي قد يكون مصيره مماثلاً لآمال الكوبيين الذين لم يفعل ليبراليوهم شيئاً سوى التنظير عن كيف سيكون الحال فيما بعد الحكم الكاستروي بينما يمتد هذا الحكم إلى الأبد. وهو أيضاً أكثر واقعية –أو فلنقل أكثر مسؤولية- من إفتراض أن الكارثة قادمة لا محالة كما تنبأ أنت على الدوام .ـ
لعلنا علينا أن نسأل أنفسنا لماذا يستطيع المتدينون, حتى عندما يأتون بأفكار تجديدية لا تتماشى مع المسار الديني التقليدي (مثلاً حالة القبيسيات), تحقيق إختراقات على مستوى الأتباع يحلم أي ليبرالي سوري أن يحققها. قد تجادل أنت أن هذا يتم بسبب دعم الحكم لهذه الظواهر, ولكنني أجادل أن السبب الأساسي هو أن هؤلاء الناشطين هم أكثر مرونة و عملية من الليبراليين كما ذكرتُ في بداية حديثي. إن لديهم المرونة لتعديل الأطروحة بما يناسب الوضع العام و بما يناسب الجمهور المتلقي و إختلاف بيئته الإجتماعية و حالته التعليمية. إن لديهم الهرمية الفكرية التي تجعل ما يبشرون به يختلف باختلاف المتلقي, طبعاً بحيث يخدم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الفكرة المروَجة, وبالتالي توسيع دائرة الأتباع. إنهم وجدوا صيغاً من الممارسات الشكلية و التعليمات العملية التي تجد تقبلاً من عامة المتبعين لسهولتها و سلاستها.ـ
يتساءل الكثيرون عن سبب قبول الزن البوذية, على عكس كل الطوائف البوذية الأخرى, لطلاب و زوار يودون المشاركة بجلوس الزن (زا - زن) بدون أن يطلب منهم أية قراءة أو أي فهم لمبادئ الماهايانا البوذية التي يقوم على أساسها الزن (و لهذا السبب فهي الأشد إنتشاراً عالمياً من أي من الطوائف الأخرى). ولكن أحد النساك أجاب عن هذا التساؤل بما يعتبر أساس مبدأ الزن: ""لا يهم أن تفهم مسبقاً, إذا جلست مدة كافية فسوف تصبح فيلسوفاً"". طبعاً هذه "المدة الكافية" للوصول إلى الساتوري (الإكتشاف المذهل أو الوحدة مع الإله) قد تصل إلى عدة سنين أو عدة عقود, ولكن العبرة هي أنه يمكنك تصميم ممارسة معينة أو أفكار مبسَّطة لكي يؤدي تكرارها أو الإيمان بها نفس غاية و يقود لنفس نتائج الإيمان بأفكار أشد تعقيداً و علواً.ـ
من هذا المبدأ, قد يجد الليبراليون السوريون مثلاً في وقت من الأوقات أنه ما من بد من تبني بعض الأفكار التي قد لا توافق مبادئهم الأساسية و لكن لا مفرً منها لإيصال "نتائج" هذه المبادئ إلى عموم الناس حتى يكونوا يوماً ما "المسيح المخلص" لسوريا.ـ
فعلى سبيل المثال, فلتأخذ مبدأ المواطنة كمثال.ـ
منذ عدد من السنين و أنا مشتبك بجدل طويل مع زوجتي (ليبرالية من بلد ليبرالي جداً) عن أهمية مفهوم الوطنية السورية الصرفة (الناشيوناليزم) لبلد مثل سوريا. فكما ذكرت أنت في معرض حديثك عن مفهوم الإنتماء العربي, مبادئ الإنتماء الوطني مرفوضة من الليبراليين عندما لا تعرّف بالشكل "الإنساني" الذي يؤمنون به و عندما تكون محدودة بجملة من الممارسات و الأفكار المقولبة مسبقاً. أي أن الليبرالية تحاول دوماً أن تبتعد عن ما يمكن أن يَصمها بأنها إيديولوجية (حتى ولو جادل الآخرون أن الليبرالية كمفهوم هي إيديولوجية بحد ذاتها). فالقولبة هي أهم أعداء الليبرالي/ية, و لهذا فالنماذج الوطنية الإيديولوجية "المقولبة" مرفوضة و تعتبر خطرة من وجهة نظر الليبرالي/ية. و أظن أن هذه هي وجهة نظركَ أنتَ أيضاً كما فهمتها من مقالك أعلاه بالنسبة لموضوع الإنتماء العربي.ـ
و هنا أنا أجادل أنه على الليبراليين السوريين تبنّي مفهوماً "مقولباً" لوطنية سورية صرفة (أذكر كلمة وطنية صرفة هنا لأميزها عن مفهوم القومية السورية "الشاملة" للحزب السوري القومي الإجتماعي) و أن تكون هذه الدعوة مطيّةً لإيصال مفاهيم المواطنية و المساواة و المشاركة في الحكم إلى آخر المبادئ التجريدية للمواطنة الحديثة.ـ
و القول "مقولبة" يعني أنها قد يُنظر إليها أنها ليست بالشيء الجديد المختلف عن مفهوم القومية أو الوطنية كما يعرفها الأوروبيون أو الكوريون أو غيرهم من الذين ركزوا على قومية غير شمولية بل محدودة بحدود البلد السياسية. و القول "مطيّة" يعني أنه في النهاية يمكن إيصال المبادئ التجريدية لمفهوم المواطنة كما يعرفها الليبراليون عن طريق مفاهيم أكثر إستثارة للمشاعر و أقرب لفهم الناس العاديين من المبادئ السابقة الذكر.ـ
فالمفاهيم الليبرالية عقلانية, وما تحاول تحديه هو مشاعري! و تثبت الأحداث يوماً بعد يوم في كل العالم (المتحضر منه قبل المتخلف) أن العقلانية لا تغلب المشاعرية. و أرى أن التحدي هو تضمين مفاهيم الدولة المواطنية الحديثة التي نرغبها بمجموعة من الأفكار الوطنية المشاعرية و خلق "إيمان" جديد لتحدي "الإيمانات" الموجودة على الأرض حالياً كقومية عربية و إسلامية و طائفية و مناطقية إلخ. أي أن نفعل ما فعله عفلق و الأرسوذي مثلاً عندما أرادا تحدي الإيمانات السائدة في عصرهما و عندما وجدا أن فكرة القومية العربية سوف تكون رداً على فكرة الخلافة على النمط العثملّي أو الهاشمي أو التقسيم على نمط دويلات الإنتداب الفرنسي و سوف توصِلُهما إلى حالة مواطنية سليمة تشمل المسييحيين و الطوائف الأخرى (على إعتبار أن الإثنين كانا من الأقليات). لاحظ أنهما استطاعا النجاح و الوصول إلى عدد ضخم من الناس حتى قبل أن يتمكن أي حزب يتبنى افكارهما من قلب الأنظمة الموجودة حينها. طبعاً ديكتاتورية أفكارهما من حيث عدم ترك مجال لتقبل أفكار مختلفة و عدم تقبّل القوميات الأخرى في المنطقة, و خلط مفاهيم القومية العربية مع الإنتماء الإسلامي منذ تبني أكبر دولة إسلامية حينها, مصر, لواء القومية العربية, و إنتهاءً بإستخدام حزب البعث لفكرة القومية العربية لضمان استمرارية أنظمة قطرية, أدى أن لا تتمكن أفكارهما من تأدية الغرض الليبرالي الذي أوجداها من أجل تحقيقه. أقول "أوجداها" لأنني أجادل, و أعلم أن العديد سوف يفور غضبه من هذه المقولة, أن فكرة الإنتماء القومي العربي كما نعيشها حالياً هي من "إختراع" هذين الشخصين. تماماً كما أن بلايين الناس حالياً تنام و تستيقظ على مبادئ و مسلمات و أيديولوجيات و ديانات هي حرفياً من "إختراع" شخص أو عدد محدود من الأشخاص (أو أنها أُوحيت إلى شخص واحد, إذا أحببت).ـ
و أظن أننا تعلمنا بما فيه الكفاية لنتمكن من إختراع نموذج, هو الوطنية السورية الصرفة, أكثر ليبرالية و مواطنية و أقل تعرضاً لسوء الإستخدام من القومية العربية. و على الأخص فهو سوف يكون أكثر ملائمة للوضع السوري بالتحديد و المختلف برأيي إثنياً و تاريخياً و من ناحية التركيبة المجتمعية عن وضع أية دولة عربية أخرى. و هذه الوطنية هي ليست بمعنى مجرد "المواطنة السليمة" المتداول بين المثقفين بقدر ما هي فكرة جديدة تماماً, وهي جوابي لتساؤل طرحته أنت على موقع آخر (ثروالايزيشون) عن حاجتنا لشيء جديد يكسر الـ"إيزم"ات المتعددة التي نعيش بينها (نسبة إلى نهاية الكلمات الإنكليزية التي تصف المفاهيم الإيديولوجية). فكرة تُنزِل الأفكار الليبرالية من "كليكيتها" إلى مستوى أكثر شعبية يتضمن ممارسات محددة يمكن أن تجد أتباعاً بين صفوف الناشئة في سوريا. أقول الناشئة لأنني لا أظن أن هناك أي أمل من تغيير معتقدات أي شخص سوري ممن تجاوز الأربعين من العمر قيد إنملة, و لأنني قد عاينت بنفسي توق العديد من الناشئة في سوريا لشيء جديد مختلف عن ما هو مطروح الآن. وبالتالي يمكن أن يقود هذا إلى التغيير المنشود الذي يكسر إحتكار الثلاثية: الأنظمة-القوى الخارجية-القوى المتطرفة للتغيير و يجعل الليبرالية, بلبوسها الجديد, مسيح سوريا المنتظر.ـ
الحديث لا بد له من بقية للدردشة عن تفاصيل هذا "الإنزال".ـ

سيد عمار عبد الحميد, عذراً لإستغلال مدونتك للقيام بهذه الدردشة البدون إذن و التي قد تجدها عديمة المضمون.ـ

Friday, September 08, 2006  
Blogger Ammar said...

عزيزي المواطن السوري في الشرق الأقصى،ــ

مداخلاتك القيمة وآراؤك الثمينة تعطيك حق استغلال كل مدوناتي متى شئت، بل في الواقع كنت قد بدأت بالتساؤل عن غيابك. الدخول في التفاصيل، كما نوّهت، هو الجسر الأساسي للخروج من العموميات وللتواصل مع الشرائح الأوسع. وأنا أتفق معك في كلّ ما قلت، حتى، بل خاصة، في انتقاداتك، والملاحظات التالية هي بمثابة توضيحات أكثر منها ردود.ــ

أي عملية تغيير مجتمعي شاملة وعميقة لا يمكنها أن تبدأ من قمة الهرم، لكنا اصراري مع غيري في التركيز على قمة الهرم في سورية ينبع من نوعية الأزمة التي وضعنا فيها النظام الحالي، ولولا هذا لبقي تركيزي منصباً على بناء "تنظيم ليبرالي"، إن صحّ التعبير، على غرار الحركات الإسلامية التي أشرت إليها كحركة القبيسيات.ــ

الهدف من موقع مجتمع ثروة بالذات هو السماح لأصوات متعدّدة شابة ليبرالية الطابع والتوجه بالظهور على الساحة، وعلى الرغم من مرور عدة أشهر على إصدار هذا الموقع، إلا أننا ما نزال في الطور الجنيني والتجريبي له، هنا إعدادات كثيرة تجري في الخلفية قبل أن نعلن إن إطلاق هذا الموقع على نطاق أوسع. وهناك مواقع ومشاريع أخرى، سنعلن عنها في وقتها، تهدف بالذات إلى التعامل مع مسألة التفاصيل على نحو مبسّط وقادر على التغلغل في الأوساط الشبابية على الأقل، إن لم نقل الشعبية.ــ

وهذا هو ما يشغلني كثيراً هذه الأيام. الانتقال من التنظير إلى العمل بات ضرورة ملحّة جداً جداً، وعلى كل منا أن يفعل ما بوسعه، وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار أننا هذه ستشكّل الخطوات الأولى فقط على طريق الألف ميل، لذا، قد لا تبدو هذه الخطوات مثيرة أو مقنعة جداً في هذه المرحلة الحرجة، لأن الوقت مازال مبكّراً لها لترتقي إلى مستوى التحديات الحالية، ومن هنا تشاؤمي فيما يتعلّق بالتطورات الراهنة، وتركيزي على ضرورة الانتقال النخبوي في سورية على الأقل، لكسب الوقت وتدارك أية تطورات أو احتمالات كارثية، إذ لم يعد من الممكن الحفاظ على الوضع الراهن، والنخب الثقافية والسياسية المعارضة ليس جاهزة بعد للتعامل الفعّال مع تحرّك شعبي حقيقي.ــ

Sunday, September 10, 2006  
Blogger welovesyria said...

يا أخي أولا انا شاهدتك على قناة الحرة و كان لقاؤك سينال مشاهدة العديد من السوريين لكن في يومها بدأت الحرب على لبنان على ما أظن
المهم أنا أنشأت هذا اليوزر فقط للكلام معك لانك محدد فقط البلوغر
المهم انتم السورييون في أميركا للأسف يظن الكثير في سوريا بأن كل سوري أمريكي يتكلم بالسياسة فهو عميييييل و ماشابه فقط يحب أن تعملو على محو هذه الفكرة مع أن المهمة صعبة أرجو الرد على نفس هذا البلوغ لأني لا أدخل على البلوغ welove syria
مهماكان الى الامام اللله يوفقكم بس الغريب ليش بشار وجماعتو بيقولو انكم بتكرهو سوريا و ما بتريدولها الخير طب انت مو سوريين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

Tuesday, September 12, 2006  
Blogger Ammar said...

شكراً على دعمك أخي العزيز،وبالفعل جاء اللقاء على قناة الحرة في وقت غير مناسب، ومع ذلك وصلتني ردود كثيرة مشجعة بعدها، ولكن، معك حق، الانطباع العام عن المعارضين السوريين في أمريكا يبقى سيئاً إلى حد ما، ويلزمنا بالفعل أن نجد طرق للتواصل مع الناس في الداخل بحيث تكون رسالتنا ومواقفنا بالنسبة لهم أكثر إقناعاً. أعتقد أننا قادرين على تحقيق بعض النجاح في هذا المضمار مع الوقت، المهم، أن لا يتداركنا الوقت وتداركنا الأحداث التي تسير بسرعة كبيرة فعلاً.ـ

Tuesday, September 12, 2006  
Blogger A Syrian In The Far East said...

السيد عمار عبد الحميد, شكراً لردودك و الوقت الذي تنفقه عليها. وشكراً لكلماتك المهذبة. ما أرجوه منك حقيقة أن لا تشعر بأنك ملزم بالرد على هذه التعليقات و الدردشات, فوقتك المصروف على مشروع ثروة هو أثمن, وأنا لست متفرغاً و لدي عملي الطويل وإذا كنت أجد وقتاً في بعض الأيام للكتابة, فلا أجد في أياماً أخرى وقتاً حتى للتصفح, وبالتالي لا أمانع أن لا أرى رداً سريعاً أو أي رد على الإطلاق. يسعدني فقط أنك مضياف في مدوناتك جميعها و مستعد دائماً أن تترك هذه الأفكار التي أطرحها هنا و هناك فيها كما هي بدون أن تعتبرها مزعجة تستحق الحذف.ـ

في ردك (الردين أعلاه) و في معظم مقالاتك أنت قلق جداً من تدارك الوقت و متشائم كما تقول فيما يتعلّق بالتطورات الراهنة. هذه طبعاً ليست تجربتك الأولى مع الغربة, ولكنها, على الأقل كما فهمت من سيرتك الذاتية في مدونتك, هي المرة الأولى كغربة مترافقة مع إهتمام شديد بالوطن الأم سوريا, أو بالأحرى فأنت متفرغ بشكل كامل لهذا الإهتمام. و من خبرتي المتواضعة أرى أن المغتربين, على الرغم من أنهم يعيشون في عوالم عقلانية و عملية, يميلون بشكل شديد للعاطفية و الحساسية العالية فيما يتعلق بأمور الوطن الأم. و لقد لمست هذا عند معظم سوريي المغترب الذين عرفتهم, و من تجربتي الشخصية وإختلاف درجة قلقي و حساسيتي تجاه المواضيع السورية بين الفترة الأولى من مغادرتي حينما كانت زياراتي متباعدة جداً, و الفترة الأخيرة حين تزايد تواتر هذه الزيارات.ـ
نحن ننسى أن الزمن هناك له مفهوم مختلف تماماً عما هو عليه خارج هناك. أقاد اقسم أحياناً أن عدد الدقائق في الساعة و عدد الساعات في اليوم هناك يفوق أضعافاً ما هو عليه حيث أعيش الآن. وبالتالي فأنا حقيقة لا أرى أي تغيير كبير, كالذي تتنبأ به أنت دائماً, قادماً في أي وقت قريب. وكما ذكرت أنا سابقاً في مدونتك الإنكليزية, قد يفيد بين الحين و الآخر أن ننظر إلى النماذج الكوبية أو الكورية الشمالية, لنتذكر أن التغيير و الزمن يمكن حقاً أن يتيه تماماً عن بعض الأماكن على هذه الكرة الأرضية.ـ

و من هنا ما ذكرته أعلاه بأن محاولة التأثير على الصعيد الشبابي و الشعبي, قد تكون أكثر عملية, على الرغم أنها لا تبدو كذلك في الوهلة الأولى, من الإنتقال النخبوي.ـ
بالنسبة لي قلقي مختلف قليلاً عن أسباب قلقك, أنا لاأرى حروب أهلية أو عصابات تجوب الشوارع أو غزواً خارجياً. و لك كل الحق والأهلية أن تجادل بعكس ذلك, و ما من أحد قادر على حسم هذا الجدل إلا الزمن.ـ
ولكن نظام الحكم في سوريا هو أشد تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى. و بغض النظر عما يقال و يـُردد بأنه حكم فردي معزول عن مجتمعه, فإن ترابط و تشابك مصالح الطبقة الحاكمة مع العديد من الطبقات و الفئات, و التعقيدات الهائلة في فرز هذه الترابطات و حجمها أو قوتها, يجعل الحديث عن نظام فردي بحت أمراً خاطئاً.ـ

منذ فترة قصيرة, قرأت مقالاً صغيراً لسوري معارض إسمه السيد خلف خلف, على ما أظن, من دير الزور في نشرة السيد أيمن عبد النور أول فور سيريا. و على الرغم من أنه مقالاً قد لا يسترعي الإهتمام للوهلة الأولى, على إعتبار أن نظرة خاطفة تنبأ أنه فورة غضب من ديري غاضب على مدينة حلب و أهلها, فإنه يلقي الضوء على حقائق عديدة مهمة في تركيبة المجتمع السوري و علاقات الحكم المتشابكة. لعل إثنتين من النقاط الذكية في المقال هي:ـ
- مقاربة السيد خلف لطبقة الأرستقراط التقليدية في حلب التي نمت و برزت بسبب علاقاتها و ترابط مصالحها مع الحكم العثماني و استمرت حتى الحكم البعثي السابق للحالي, مع طبقة النوفوريش التي تنمو الآن بسبب علاقاتها مع النظام الحاكم الحالي و تشابك مصالحها التجارية و المالية معه و مع من يدور في فلكه.ـ
- يوجه السيد خلف سخطه الشديد على كل من النظام الحاكم و المستفيدين الجدد في آن, و على طبقة الأرستقراط التقليدية في حلب في آن واحد. و يذكـّر هذه الطبقة الأخيرة كيف كانت معاملتهم لا إنسانية و إهمالية لريف الشمال السوري و مواطنيه, الذي هو منهم طبعاً. و يذكرهم أيضاً أن سخطهم على هذه الطبقة الجديدة من المستنفعين و النوفوريش لن يقودهم إلى إي نتيجة لأن هؤلاء سوف يحتلون مكانهم شاءوا أم أبوا و سوف يدافعون عن هذا المكان بأسنانهم قبل أيديهم في مواجهة أي محاولة لتهديده, تماماً كما دافعوا هم عن مكانهم ضد أي محاولة لإتاحة الفرصة للآخرين مشاركتهم ثروتهم و نفوذهم, في إشارة إلى عهد الإقطاع الحلبي على مناطق ريف حلب و دير الزور و الذي إستمر حتى عهد الوحدة و من بعدها ثورة البعث.ـ

النقطة الأولى تذكرنا بما نعلمه عن حق و يتنامى يوماً بعد يوم: إن النظام الحالي يتبع سياسة مختلفة تماماً عن سياسة النظام السابق في تفريق مراكز الثقل إلى مجموعات عديدة متماثلة بالحد الأدنى من القوة والثروة و ضمان توازنها في ميزان عدد كفاته بعددها و الإنتباه الشديد و الدائم لهذا التوازن. بينما يتبع النظام الحالي سياسة تشابه النظام العثماني في تركيز مراكز الثقل كلها في بوتقة واحدة و محاولة زيادة عديد و فئات هذه البوتقة بما يضمن بقائه تبعاً لقوة هذه المجموعة. و هذه السياسة, على سلبياتها العديدة التي أثبتتها تجارب أنظمة كثيرة إتبعتها, ليس آخرها العثماني, تريح النظام من ثقل حماية نفسه و تجعل هذه المجموعة من المستفيدين هم أول من يسعى لحماية الوضع القائم والحفاظ على الحكم. وهم سوف يصبحون قريباً عماد هذا الحكم, عوضاً عن الجيش أو القوى الأمنية, على إعتبار أن هذه المجموعة, و كما كانت سلفها الإقطاعية العثمانية, هي التي تتحكم بأرزاق الشعب عن طريق مشاريعها و إستثماراتها و إحتكاراتها بالتعاون مع السلطة. أي أن هذه التركيبة سوف تجعل أي محاولة للمواجهة, سواء فكرية أو غيره, تصدم بجبهة أولى من الدفاع هي ليست النظام نفسه. و هذا تماماً بعكس سياسة النظام السابق التي كانت تضع أي معارضة في مواجهة رأس النظام مباشرة.ـ

النقطة الثانية تشير إلى ما قد ذكرته أنت أيضاً في معرض تعليقك على الموضوع الذي طرحته في مدونة الدكتور جوشوا, أن العلاقات الإقطاعية تتجاوز في سوريا مسألة طائفة معينة. و أنت محق, و لكن هذا يطرح المزيد من التعقيدات. فالكثير من الفئات الغير مستفيدة إطلاقاً من النظام سوى بقوانين الإصلاح الزراعي (وهو موضوع ليس لنظام السيد الرئيس الأسد السابق أي فضل به أصلاً لأته تم سابقاً لعلو نجمه, بل إنه بدء منذ عهد الوحدة) ما زالت تنظر بعين الشك لعودة حكم المدن الوسطى (حلب – حماة – حمص – دمشق) و لما يمكن أن يقدمه هذا الحكم لها. طبعاً بإستثناء الناس التي تضررت شخصياً من النظام البعثي من خلال حملات أمنية أو إعتقالات. فالأمور, بالنسبة للعديد من المناطق خارج محور المدن الوسطى, لم تكن وردية في ظل الحكم السابق للبعثي بالشكل الذي نحب أن نتذكرها به.ـ

إن النقطتين السابقتين, على أهميتهما, ما هما إلا موضوعين إثنين فقط في جملة من المواضيع التي تجعل موضوع إنتهاء حكم النظام الحالي أعقد جداً مما قد يتخيله البعض. بل إن النقطة الأولى تشير أن المجموعة المستفيدة سوف تقوم بعرقلة أي محاولة للتغيير حتى ولو أتت من نفس النظام من الأعلى, و لو أن موضوع التغيير من أعلى النظام هو أمر مستبعد.ـ

وبالتالي قلقي مختلف قليلاً عن أسباب قلقك, فأنا لست قلق أن الجيل الجديد سوف يحيا في ظل حروب أهلية و إضطرابات أمنية. أنا فقط قلق أن الشباب و الجيل الجديد سوف يكبر قبل أن تتاح لنا الفرصة أن نحاول التأثير عليه و لو من خلال طروحات جديدة أو ممارسات معينة كما نوهت في الدردشة الأولى أعلاه.ـ

لقد ذكرت انت مرة منذ زمن بعيد في مدونتك هذه في نسختها القديمة على مزود آخر, أن السبب الذي جعلك تفارق درب رفاقك و أصدقائك الذين إختاروا أن يبقوا و بل يكونوا جزءاً من الحكومة الحاكمة بأمل دفعها على التغيير و التطوير, هو أنك لا تؤمن أن الوضع الحالي للنظام و الحكم قابل للتعديل بأي شكل كان.ـ
قد تكون على حق, و لكن العديد من الشباب الذين إختاروا البقاء و الذين حافظوا على إستقامتهم و مبادئهم, ومنهم رفاقك الذين أعلم بعضاً منهم, يقومون بهذا التغيير فعلاً. ليس عن طريق التطوير و التحديث و إلى آخره من المسميات البروباغندية التي تخترعها الحكومة و النظام, بل عن طريق إعطاء مثلاً لجيل جديد عن الإستقامة و العمل الصحيح.ـ
حفنة من أصدقائي المهندسين إختاروا أيضاً البقاء في وظائفهم في سوريا على الرغم من أن الفرص أتيحت أمامهم للهجرة و العمل بالخارج. هؤلاء يعلمون أن البقاء و العمل بإستقامة سوف يتبعه قلة الموارد المالية و قلة الحظوة, و لكنهم ارتضوا بالبيت الذي تركه لهم و الديهم و قلصوا طموحاتهم و آمالهم للكفاية حتى نهاية الشهر. و لكنهم بعملهم هذا, يضربون مثلاً إختفى تماماً للأسف من أمام الشباب الطالعة, وبدونهم و بدون هذا التأثير الذي يحدثونه, على محدوديته العددية و بطئه الشديد, لن يكون هناك تغيير حقيقي في سوريا.ـ

فالتأثير الحقيقي يقاس بكم عدد الشباب الذين نستطيع أن نأثر بهم ونجعلهم ينظرون إلى مستقبل مشرق و مشرف لوطننا. ومن هنا كان تركيزي على موضوع الوطنية الحقيقية و محاولة إحيائها كجهد في نفس السبيل. و خاصة أن هذا الشعور بالذات, الإنتماء للوطن بما يضمن العمل الجاد لخيره و خير من يعيش فيه هو مهدد بسبب ظروف المنطقة المحيطة و بعض ممارسات النظام اللا مسؤولة. ولهذا الحديث دردشته الخاصة فيما بعد إذ أنه تبين لي من ردك علي في مدونتك الإنكليزية أنك أسأت فهمي و ظننت أنني أتحدث عن وطنية قومية, التي شبهتها أنت بالقبلية و هي تموت في أرجاء العالم أجمع. بينما كنت أتحدث عن الوطنية الصرفة المرتبطة بمفهوم المواطنة كما هي الآن حية و حيوية في أنحاء العالم من كندا إلى سويسرا مثلاً. وكما ذكرت فللحديث دردشته الخاصة إن شاء الله.ـ

و موضوع التأثير على الجيل الجديد هو ما يجعلني سعيد جداً بمشروع ثروة. فكلمة أو إمثولة عملية تضعها أمام شاب يطلع على هذا الموقع هي في النهاية, برأيي الخاص, أكبر و أهم من أي جهود ضغط لتغيير النظام, مع إحترامي الشديد لشجاعتك و جرأتك في هذاالموضوع الأخير.ـ

ولكنني أشك بفعاليته, و أشك بالتوقعات الكارثية السلبية المتشائمة للمستقبل. فالسوريون بالمجمل وعلى الدوام, يميلون إلى مجانبة الخيارات التي تضمن أكبر قدر ممكن من الإستقرار و الإستمرارية, حتى ولو على حساب العديد من التنازلات في حياتهم و معتقداتهم الأخرى. و إذ كنت تذكر انني في معرض تعليقي على موضوع الهيئة التأسيسية في موقع سوريا الإفتراضية شددت على ضرورة إعتبار الخصوصية السورية و على مدى إختلافها الشديد جداً حتى عن أكثر الدول مجاورة لنا. طبعاً أنا أحترم رأيك الذي يبدو لي أنه يميل بإتجاه التفكير بمنطقتنا ككل, و لا يجد كبير فارق بين السوريين و البنانيين مثلاً. ولكني لا أوافقه. وسوف يقوم السوريون, كما فعلوا مراراً و تكراراً في السابق, بإختيار "أن يصطلوا بنار الخوف" و "يتبعوا الجلاد" و "يحترفوا العيش في قفص" (مقتطفات من مقالتك السابقة: الحرية و الخوف), وبمخالفة كل المنطق السياسي السليم, في سبيل أن يضمنوا بقاء هذا الكيان, سوريا, الذي كان الحفاظ عليه كما هو موضع القلق الأول لهم منذ إنفصال عقد الثورة العربية الكبرى و إلى الآن. لا بل أنه حتى أشد الحركات التطرفية في سوريا تحمل معها هذا القلق بشكل يفرقها تماماً عن كل الحركات الشبيهة في البلدان الإسلامية الأخرى التي لا تنظر لوطنها بأكثر ما تنظر لأي قطعة أرض أخرى في بلاد الله الواسعة.ـ

تركت بعضاً من المقترحات على موضوعك الجديد في سوريا الإفتراضية.ـ

Thursday, September 14, 2006  
Blogger welovesyria said...

الموضوع ليس حكم فردي فقط وإنما هناك شيئ غامض في مبدأ التعيينات سواء كان في الوزارة أو غيرها
فمثلا
صلة القرابة الغريبة بين السيد رئيس مجلس الوزراء والسيد الرئيس
أيضا هناك شخص ما يدعى فيصل كلثوم بات يتبوأأعلى المناصب وهو أيضا عضو مجلس شعب فقد كان يوما ما ولفترة زمنية طويلة مدرسا في كلية الحقوق إسأل طلاب كلية الحقوق كيف كانو ينجحون بمادته و هناك الكثير من الامثلة
أنظر مثلا السيدة الوزيرة ديالا من هو زوجها و بماذا كان متهم يوما ما
أضف على ذلك عدد هائل من الوزراء والشخصيات و المسؤوولين صدقوني لا أتكلم هكذا من باب الافتراء ولكن على السيد الرئيس أن يجد مصادرا أخرى للحصول على معلومات عن مسؤوولين الدولة وليس المسؤوولين أنفسهم
فمن الغريب أن نجد وزراء سابقين ومسؤوولين يستثمرون أموالهم في مشاريع وداخل الوطن وخصوصا الجامعات الخاصة
....
...
..
.

عاشت سوريا

Friday, September 15, 2006  

Post a Comment

<< Home